ميزان يحتاج إلى إعادة ضبط
في أي إدارة ناجحة، هناك حقيقة أساسية لا يُستغنى عنها:
السماع وحده لا يصنع حقيقة، والانطباع الأول لا يكفي ليكون حكمًا.
قد تسمع قصة كاملة،
لكنك لا ترى كل تفاصيلها.
وقد تتكوّن لديك صورة واضحة في ذهنك،
لكنها تبقى صورة ناقصة لا تمثل الواقع كما هو.
الإدارة التي تحكم بالسماع فقط
قد تبدو حازمة في بدايتها،
سريعة في قراراتها،
واثقة في مواقفها.
لكنها كثيرًا ما تكتشف متأخرة
أن هذا الحزم لم يكن إلا تعجلًا.
قرار يُتخذ بسرعة،
وباب يُغلق على عجل،
ثم لا تلبث الآثار أن تظهر واحدة بعد أخرى.
يبدأ الموظفون بالصمت،
لا لأنهم مقتنعون،
بل لأنهم حذرون.
وتتراجع المبادرات،
لا خوفًا من النظام،
بل خوفًا من طريقة الحكم.
عندها تفهم الإدارة الحكيمة
أن الخلل لم يكن في الخطأ نفسه،
بل في طريقة التعامل معه منذ اللحظة الأولى.
فالخطأ لا يُحاكم قبل أن يُفهم،
ولا يُضخَّم قبل أن يُصحَّح،
ولا يُترك حتى يتحول إلى أزمة.
ومن هنا فقط يبدأ الاتزان الحقيقي.
ومن هذا المعنى الإداري الواضح
ننتقل إلى مجال أشد حساسية،
مجال لا تُدار فيه الملفات فقط،
بل تُبنى فيه القلوب،
وتتشكل فيه القناعات.
في العمل الدعوي،
يبدأ الخلاف غالبًا بشيء صغير لا يلفت الانتباه.
كلمة قيلت بنية الإصلاح.
تنبيه عابر.
ملاحظة قُصد بها الخير.
لا أحد يتوقع أن تكبر،
لكن اللغة لا تلبث أن تتغير.
لا يعود الحديث عن مسألة محددة،
بل يتحول إلى حديث عن طريق كامل.
ولا عن خطأ جزئي،
بل عن تمثيل وانتماء.
في هذه المرحلة
لا يُناقَش القول وحده،
بل يُسأل صاحبه:
من أنت؟
وأين تقف؟
ومن هنا يتحول النقاش سريعًا
من بحث عن الصواب
إلى دفاع وهجوم.
قرار يُبنى على انطباع،
وحكم يُطلق قبل تثبت،
وخطأ محدود يُعامل كأنه منهج راسخ.
فيتغير السؤال مرة أخرى.
لم يعد السؤال: كيف نُصلح؟
بل أصبح: مع من أنت؟
ثم يبدأ التصعيد تدريجيًا،
دون أن يشعر الناس بخطورته في بدايته.
اختلاف في التقدير،
ثم تشكيك في المقصد،
ثم تحذير معلن،
ثم رد قاسٍ،
ثم نزع للشرعية.
وعند هذه النقطة
يصبح الرجوع صعبًا جدًا،
لا لأن الحق غير واضح،
بل لأن التراجع صار خسارة صورة ومكانة.
وفي وسط كل هذا
ينظر الناس إلى أمر واحد قبل أي شيء آخر:
هل كان الحكم عادلًا؟
هل سُمعت جميع الأطراف؟
هل وُضع الخطأ في حجمه الطبيعي؟
هل سبق البيانُ الشدة؟
وهل قُدمت النصيحة قبل التحذير؟
إن شعر الناس بالعدل،
قبلوا التصحيح ولو تألموا.
وإن شعروا بالظلم،
رفضوا الحق ولو كان واضحًا أمامهم.
ومع تكرار هذا المشهد،
تضعف الثقة شيئًا فشيئًا،
ويصمت الصادق،
ويتردد الناصح،
وتبهت روح المبادرة.
وهنا تخسر الدعوة
أغلى ما تملك:
الطمأنينة.
لهذا لم يكن الخلل يومًا
في وجود الخطأ نفسه،
فالخطأ سنة بشرية لا مفر منها.
لكن الخلل الحقيقي
كان في إدارة الخطأ بلا ميزان.
ميزان يبدأ بالتثبت لا بالعجلة،
ويمر بالبيان لا بالإدانة،
ويفرّق بين الزلة والمنهج،
ويقوم على العدل قبل الحزم،
ويغلق باب الفتنة قبل أن يتسع.
بهذا الميزان
تستقيم الإدارة،
وتحيا الدعوة،
ويبقى الطريق واضحًا لمن أراد الحق.
مدير المحتوى:
المستشار الشرعي: مسفر بن سهل
