عندما تختفي السماعة… يعود المحراب
دخلتُ مسجدًا ذات مرة، فجلستُ أستمع للقراءة.
كان الصوت واضحًا، هادئًا، مريحًا. لم يكن مرتفعًا، ولا حادًا، ولا صادرًا من فوق رأسي. كان يصلني دون أن يهاجمني، ويملأ المكان دون أن يضغط عليّ.
خطر في بالي سؤال بسيط:
هل الميكروفون يعمل أصلًا؟
اقتربت قليلًا، وأصغيت أكثر، فاكتشفت أن السماعات تعمل فعلًا. لكنني لم أكن أشعر بها. لم تكن حاضرة في الوعي، ولم تكن متصدرة للمشهد. كانت هناك… لكنها لا تزاحم الإمام.
هنا يتجلى الفرق بين أن تسمع… وأن تشعر.
الوصول وحده ليس إنجازًا. رفع مستوى الصوت كفيل بأن يجعله يصل إلى أبعد زاوية. لكن المسألة أعمق من ذلك. المسألة أن يصل الصوت ويبقى الإحساس أنه يخرج من الإمام، من المحراب، من الإنسان الحي، لا من الجدار.
كثير من المساجد تقع في خطأ غير مقصود. تتقدم السماعة خطوة أمام المحراب، فيتحول المكان بهدوء من فضاء عبادة إلى قاعة مكبرات. ترتفع الشدة قليلًا لتعويض ضعف في الضبط، ثم ترتفع أكثر، فيبدأ الإجهاد السمعي، وتختفي الراحة، ويتسلل التعب إلى النفس قبل أن تشعر به.
اختفاء السماعة لا يعني إطفاءها. بل يعني أن تعمل دون أن تُحَسّ، أن تدعم دون أن تتصدر، أن تُسمِع دون أن تُشعِر. حين تُضبط السماعات بحيث لا تسبق صوت الإمام، ولا تعلو عليه، ولا تقترب من الأذن اقترابًا مفرطًا، فإن الدماغ يدمج الصوتين في مصدر واحد. ينتشر الصوت في أرجاء المسجد، لكن الإحساس يبقى ثابتًا في المحراب.
الأذن بطبيعتها ترتاح للصوت الطبيعي، الصوت الذي يحمل نَفَس الإنسان وطبقته وتدرجه. لكنها تتعب من الصوت الصناعي حين يتغلب، وحين يشعر السامع أن الجدار يتكلم بدل الإمام. الخشوع لا يولد من الشدة، بل من الطمأنينة. والجودة لا تُقاس بعلو الصوت، بل بتوازنه.
السماعات وُجدت لتكمّل الإمام لا لتستبدل به. فإذا تقدمت عليه سرقت المشهد، وإذا علت فوقه غلبته، أما إذا خفّ حضورها قليلًا، وتأخرت خطوة غير مرئية، عاد الصوت إلى موضعه الطبيعي. عندها يسمع الناس القراءة، ولا ينشغلون بالمكبرات. ينتشر الصوت بوضوح، لكن دون ضغط، ودون صخب خفي.
لسنا بحاجة إلى مزيد من الديسيبل، بل إلى مزيد من الضبط. أن يسمع الناس… ولا يشعروا بالآلة. أن يبقى الإمام هو مصدر الصوت في وعيهم، وأن تبقى السماعة خادمة خفية في الخلفية.
حين تختفي السماعة، لا يسود الصمت، بل يسود الاتزان. وعندها يعود المسجد مسجدًا، ويعود المحراب إلى مكانه في السمع كما هو في البصر.
المستشار الشرعي
مسفر بن سهل
