كان المسجد قد فرغ من صلاة المغرب، وبقيت حلقة صغيرة عند العمود القريب من المحراب. هواء الشتاء ينفذ من باب جانبي، وأصوات الأطفال تتلاشى في الساحة.
جلس سلمان—شاب على مشارف التخرّج من الثانوية—وقد وضع كُتيّبًا صغيرًا على ركبتيه. كان يعتزّ بأنه “قرأ متنًا فقهيًا” وحفظ جملة من العبارات المحكمة. ولأول مرة يشعر أن بيده مفاتيح الحكم على الأشياء.
دخل رجل أربعيني، هادئ الملامح، يحمل نسخة قديمة من «إعلام الموقعين»، وقد بدت على هوامشه آثار قراءة طويلة، سلّم على المصلين وجلس غير بعيد. عرفه بعضهم: الشيخ ناصر، ليس خطيبًا مشهورًا، لكنه معروف بالحكمة وقلة الكلام وكثرة الإصغاء.
قال سلمان لصاحبه بصوت خافت لكنه مسموع:
شفت فلان أمس؟ جاء يصلي العشاء خلف إمام التراويح… صلاته باطلة، هذا الذي عندنا!
التفت الشيخ ناصر ببطء، لم يزجر، لم يبتسم، فقط قال:
باطلة؟
رفع سلمان رأسه كمن انتُزع منه اللقب فجأة:
نعم… هذا مذهبنا. المتن يقول كذا.
سكت الشيخ لحظة، ثم أشار إلى كتاب سلمان:
أنت الآن تفرح لأنك أمسكت قاعدة… لكن هل تعلم الفرق بين تعلم الحكم وحمل الفتوى؟
تململ سلمان. لم تعجبه نبرة السؤال؛ ليست نبرة خصم، لكنها نبرة من يفتح بابًا كان مغلقًا.
أنا ما قلت فتوى… قلت الحكم.”
قال الشيخ ناصر بهدوء:
وهنا أول الخطأ. لأن الناس إذا سمعوا منك: باطلة، هذه ليست معلومة ذهنية، هذه فتوى تمس دين إنسان وصلاته وضميره.
مرّ رجل كبير السن بجانبهم، قال ممازحًا:
خلّوه يا شيخ، الولد متحمس.
نظر الشيخ ناصر إليه ثم إلى سلمان:
الحماس جميل… لكن الحماس بلا أدوات مثل سيارة قوية بلا فرامل.
سكت سلمان، لكنه لم ينسحب. أراد أن ينتصر لا أن يتعلم.
طيب… وإذا كان المتن واضح؟
أجابه الشيخ:
حتى لو كان واضحًا… هل تعرف لماذا قاله قائله؟ وما الدليل الذي بنى عليه؟ وهل تعرف إن كان في المسألة خلاف معتبر؟ وهل تعرف ما عليه كبار أهل العلم في زماننا؟
ارتبك سلمان:
أنا… ما قرأت فتاوى المعاصرين.
قال الشيخ ناصر:
إذن أنت الآن تحمل في يدك نتيجة، ولا تملك الطريق الذي جاءت منه. ومشكلة من يحمل النتائج وحدها أنه إذا ظهرت له واقعة جديدة، يظن أن النص الذي حفظه يكفي لكل شيء.
ثم مال الشيخ قليلًا وقال بصوت أقرب للحديث الخاص:
يا سلمان، هناك فرق بين رجل يتعلم الفقه ليعبد الله، ورجل يتعلم الفقه ليغلب الناس.
احمرّ وجه سلمان. لم يكن يقصد الغلبة… أو هكذا أقنع نفسه.
بس أنا أخاف من الفوضى. إذا قلنا كل واحد يأخذ من هنا وهناك… بتصير فوضى.
ابتسم الشيخ ناصر ابتسامة خفيفة؛ كمن سمع هذا الاعتراض كثيرًا.
الخوف من الفوضى مفهوم. لكن اسمعها كما هي:
الفوضى ليست من الدليل… الفوضى من غير المؤهل الذي يتكلم باسم الدليل.
ثم رفع أصبعه كمن يثبت معنى:
الانضباط لا يكون بتجميد العقل.
الانضباط يكون بمعرفة من يتكلم، وبمعرفة أدواته، وبمعرفة أصول الاستنباط.
قال سلمان بسرعة:
يعني نخلي الناس كلهم يجتهدون؟
رد الشيخ ناصر فورًا:
لا. هذا ظلم. ليس كل أحد يُطلب منه أن يستنبط.
العامة يسألون أهل العلم، وهذا واجبهم.
لكن جعل الناس أسرى لنتائج محفوظة دون فهم، هذا أيضًا ظلم.
هنا تدخّل أحد المصلين الشباب، كان يستمع من بعيد:
طيب يا شيخ… إذا العامي ما يلتزم مذهب واحد، مه بيصير يتخيّر الأسهل؟
قال الشيخ ناصر:
وهذا خطر آخر. لذلك نقول: العامي يتبع الأوثق علمًا وديانة، لا يتبع هواه.
فليس المقصود كسر الضوابط، بل المقصود إزالة التعصب الذي يجعل المذهب غاية لا وسيلة.
سلمان هز رأسه، لكن داخله ما زال يقاوم.
بس أنا سمعت من ناس يقولون: لازم تلتزم واحد من الأربعة، غير كذا ضياع.
أطرق الشيخ ناصر قليلًا، ثم قال:
الضياع الحقيقي حين يتحول الدين إلى شعارات:
(هذا مذهبي) بدل ( هذا دليل من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ).
وحين يصير الخلاف سلاحًا لتخطئة الناس، لا بابًا للفهم.
ثم أخرج الشيخ من جيبه هاتفه، وفتحه على صفحة مكتوبة، وأغلقه دون أن يريه شيئًا.
تعرف ما الفرق بين طالب علم صغير وبين مفتي؟
طالب العلم يفرح إذا عرف أن المسألة فيها تفصيل وخلاف.
أما المفتي فيخاف… لأنه يدرك وزن الكلمة.
تغيرت نظرة سلمان. لأول مرة يشعر أن كلمة “باطلة” كانت أكبر من عمره الدراسي.
قال سلمان بصوت أقل حدّة:
طيب… وش أسوي؟ أنا أبغى أكون على حق.
قال الشيخ ناصر:
الحق لا يُؤخذ بالصوت العالي. يُؤخذ بالمنهج.
اقرأ المتن… نعم. لكن بعده:
اقرأ أدلة المسائل، وفتاوى أهل التحقيق، وتعلّم الفرق بين درس علم وفتوى للناس.
ثم أضاف:
وتعلّم قاعدة تحفظ قلبك:
ليس كل من عرف الحكم… أهلًا لإعلانه.
ظلّ سلمان صامتًا. كان في داخله شيء ينكسر، لا كسر اليأس، بل كسر الغرور.
قام الشيخ ناصر ، وقال قبل أن يمضي:
إذا أردت خلاصًا سريعًا، ستتعب.
وإذا أردت علمًا حقيقيًا، فستتعلم الصبر.
خرج الشيخ، وبقي سلمان ينظر إلى كتابه. لم يعد الكتاب أقل قيمة… لكنه صار أصغر من أن يحمل وحده كل الحقيقة.
وفي تلك الليلة، حين عاد سلمان إلى غرفته، كتب في ورقة صغيرة ووضعها داخل المتن:
«المتن وسيلة… لا سيف.»
«والفتوى مسؤولية… قبل المهارة.»
«المفتي موقعٌ عن رب العالمين»
«أقوال الأئمة يُستدل لها ولا يُستدل بها».
مدير المحتوى:
المستشار الشرعي: مسفر بن سهل
